عندما نتألم
عندما قررت المعارضة اللبنانية ان تعبر عن رأيها بشكل اعتقدت فيه انها تمتلك الحق و القوة تفجر الوضع في لبنان و شارف علي الاشتباك بين التيارات السياسية المختلفة ، في هذا التوقيت استضاف احمد منصور مذيع الجزيرة الاستاذ وليد جنبلاط في حوار خاص عن لبنان و في نصف الحلقة كانت هذه الجمل الفاصلة .احمد منصور : كثير من الناس يشعرون انك تتعامل بقسوة مع سوريا لانك تعتقد انهم ضالعون في قتل ابيك و هذا رد فعل انتقامي علي سوريا و النظام الحاكم بها .وليد جنبلاط : ما ممكن انسي انهم اغتالوا والدي . انا ما بأنتقم بس ما بأنسي .هذه الجملة الفاصلة تعتبر مبدأ اساسي بالنسبة لوليد جنبلاط الذي فضل السير في طريقه تاركا الانتقام و مشاعرالكراهية متخذا الحياه و الوجود كطريقا جديدا امام الانهيار و العداء . و تحضرني مقالة للاستاذ عبد المنعم سعيد في جريدة الاهرام حيث كتب ” لقد ضربت اليابان بالقنبلة الذرية و احتلت الهند لعشرات السنين و فصلت عنها باكستان و بنجلاديش و كذلك حدث مع ماليزيا و سنغافورة ، التشيك و سلوفاكيا ، المكسيك و الولايات المتحدة ” و لكن كل هذه الدول اتفقت علي مبدأ واحد هو رفض الانتقام و اقرار الحياة و هو ما قاله وليد جنبلاط في حديثه فهو غير مطالب بنسيان ما حدث مع والده و لكنه في ذات الوقت لا يسعي للقتل ردا علي من قتل ابيه فالتسامح ليس معناه ان تلغي من ذاكرتنا المآسي و الظروف الصعبة التي تعرضنا اليها انما معناه ان تفقد هذه الظروف قدرتها علي التأثير في مشاعرنا و بالتالي لا تؤثر في قراراتنا .فهناك فرق ضخم بين التسامح و التناسي فالاول يدفعنا لتغيير الافكار و المشاعر و اختيار طريقا للصمود امام المشاكل و الكوارث و يرفع قدرتنا علي البناء و التنمية و العلم و يوصلنا في بعض مراحله الي الرضا بما توصلنا اليه مع الطموح في البحث عن المزيد بينما يدفعنا الاخر اما الي الانتقام كرد فعل مباشر او الي البكاء و النحيب علي ما حدث لنا و لوم كل من حولنا الي الحد الذي يصل بنا الي الولولة علي حالنا و ما آلنا اليه .الغريب اننا نجد في جميع الاديان السماوية ما يدفعنا الي نهج التسامح و البناء و حتي في ما تركه التاريخ لنا من عبر و لكننا في الغالب نختار ان نتناسي و نقول لانفسنا اننا لا نشعر باي ضيق ممن اسائوا الينا و لكن الحقيقة تظهر جلية عندما نراهم يمرون بازمة او محنة او فشل فتظهر الشماتة و التشفي و الرغبة في الانتقام و الاتفاق حتي مع الاعداء لتدمير الاخرين الذين اسائوا الينا او في الغالب الي اجدادنا و اجداد اجدادنا بينما استطاعت الشعوب الاخري ان تسامح و لا تتناسي و تتخذ الطريق الذي يدفعها للبناء لتصبح في ركاب العالم و ليس خارج الخريطة .
ان اعظم مشاكلنا ان اغلب قادة الفكر في بلادنا لا يزالوا يؤمنون بالانتقام و ردود الفعل الهمجية و غير المحسوبة و التي غالبا ما يدفع الشباب المتحمس ثمنها كما حدث كثيرا في تاريخنا الطويل و في البلاد من حولنا و لا يزال قادتنا و اساتذتنا يشعلون الجماهير برغبات الانتقام و التشفي بينما يكتفوا بالظهور في الفضائيات و الكلام عن الديمقراطية و الحرية و حتي الان لم نصل الي الطريق الذي نسلكه بل ظللنا نتخبط بين الانتقام و التناسي تاركين التسامح و القبول و التعاون من اجل البناء و الرخاء .
ان من قرر و اختار طريق التسامح لابد ان يتحمل المسئولية و هذا الترابط بين التسامح و المسئولية هو ما يصنع في المجتمعات المختلفة رجالا يبنون و يساعدون او اطفالا يظلون يصرخون و يموتون و لا نتذكرهم .فمن يتحمل المسئولية يعرف متي يتكلم و متي يصمت و يدرك الفرق بين الانفعال و الانفلات و يعي ان العقل يجب ان يقود و ليست المشاعر و العواطف فعندما تقع المشكلة يتعرض الانسان لمشاعر متضاربة في سرعة لا تتعدي بعض الثوان و تنتهي في الغالب بغضب جم و استعداد قوي للانتقام و هنا يصبح العقل في موقف ضعيف يدافع بكل قوته و لكنه غير قادر علي صد هذا الهجوم الكاسح و لكن من اعتاد و تدرب علي ان يقود نفسه و تعلم المسئولية و دفع ثمنها يعرف كيف يقف امام مشاعره في وقت المصاعب و يعرف كيف يقود هذه الطاقة و يروضها حتي تحقق ما فكر فيه و درسه بتأني و وعي بعد ان اخذ وقتا للهدوء و اعطي مشاعره فرصة للتعبير عن نفسها و لكن بدون ان تتخذ القرار و هذا هو الشخص الذي اختار التسامح طريقا و ادرك تكلفة الخسارة و الضياع بين مشاعر و افكار ليست لها قوة كي تثبت في العقول فلا يبقي منها الا الضجيج الذي احدثته بصوتها العال . لذلك نري المسئولين في الوزارات و الحكومات يتكلمون بالتدقيق فلا زيادة و لا نقصان و نجد في بعض الاحيان ان اجاباتهم علي بعض الاسئلة لا تحمل موقف واضح و ايضا نجد الناطقين باسم هذه الهيئات او الحكومات او الدول و قد تدربوا تدريبا ثقيلا و عنيفا للرد علي الاسئلة و يصف البعض هذا السلوك بانه غش و خداع و ذلك لانهم لا يعرفون تكلفة تحمل المسئولية و تكلفة الكلام غير المحسوب بل و تكلفة الدخول الي السياسة بدون فهم و تعلم فحتي الحياة العملية تتطلب الحكمة و الحنكة في التعامل مع طباع البشر المختلفة و انماط التفكير بل و حتي طريقة التفاهم و التغيرات الثقافية بين سكان المناطق المختلفة فما بالنا بالشعوب و لذلك نجد المعارضة في الدول الناطقة بالضاد لا تعي حجم المسئولية و لا تقدرها او تعترف بها و ان كان هذا حال المتعلمين و المثقفين فما بالنا بحال العامة .
ان هذه الافكار البسيطة و التي لا تعبر عن علم او عبقرية بل هي من المتطلبات الاساسية في التعامل هي التي عبر عنها ببراعة الاستاذ وليد جنبلاط فكلماته البسيطة ” انا ما بانتقم بس ما بانسي ” هي تعبير عن هذا الفكر الذي يقدر المسئولية و يتحملها رافعا عبئها الثقيل علي كتفيه مقررا طريق التسامح و هو مدرك تماما انه الطريق الصحيح بعيدا عن الصياح و الضجيج الذي لا يفيد .